الذهب بدل النقد.. كيف غيّرت الحرب طريقة ادّخار الغزيين؟

تاجر يقول إن الإقبال ارتفع نحو 25%، وخبير اقتصادي يردّ التحوّل إلى تجميد الحسابات وتراجع الثقة بالورقة النقدية.

الذهب بدل النقد.. كيف غيّرت الحرب طريقة ادّخار الغزيين؟

يقول تاجر الذهب في قطاع غزة إياد بصل إن الإقبال على شراء الذهب ارتفع في الفترة الأخيرة بنحو 25 في المئة، مع تراجع ثقة الناس بالاحتفاظ بالنقد وتقلّب أسعار الصرف، في تحوّل يعيد تشكيل طريقة ادّخار آلاف الأسر التي فقدت خلال الحرب ما اعتادت أن تعدّه المكان الآمن لمالها.

ويربط بصل هذا التحوّل بالخوف من العملات الورقية نفسها، إذ انتشرت في السوق أوراق نقدية مهترئة وتالفة وأخرى قديمة يمتنع كثيرون عن التعامل بها، وسط مخاوف من إلغاء بعض الإصدارات، وبخس بعض التجار قيمة الدولار والدينار عند التعامل بهما.

سبيكة للتاجر وقطعة صغيرة للعروس

الطلب لا يتوزّع بالتساوي. فأصحاب الثروات — ومعظمهم وفق بصل من تجار الحرب الذين كوّنوا أموالهم خلالها — يشترون الذهب مرتفع الوزن ومنخفض المصنعية، وفي مقدمته عيار 24 والسبائك التي يبلغ وزن بعضها كيلوغراماً واحداً، بهدف الادّخار لا الزينة.

في المقابل يشتري محدودو الدخل قطعاً صغيرة بقدر ما تسمح به سيولتهم، ومنهم عرائس يحاولن شراء ما تكفيه قيمة المهر في ظل ارتفاع الأسعار. الذهب هنا ليس استثماراً بل محاولة لتثبيت قيمة ما تبقّى.

الثقة بالبنك هي ما تآكل فعلاً

يوضح الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن جزءاً من هذا التوجه ناتج عن تراجع الثقة بالنظام المصرفي، خصوصاً بعد تجميد الحسابات خلال الحرب، ما دفع من بقيت لديهم سيولة إلى تحويلها ذهباً رغم ارتفاع أسعاره.

ويشير أبو قمر إلى أن الحرب أثّرت كذلك في حركة دخول الذهب إلى القطاع وخروجه منه، فتراجعت الكميات المتاحة مقارنة بحجم الطلب وارتفعت الأسعار، بينما ظهر تجار ومستثمرون جدد، وأشخاص تلقّوا حوالات من أقارب في الخارج فاتجه جزء من سيولتهم إلى الذهب بدل العقارات في ظل غموض المستقبل الاقتصادي.

ويلفت إلى تغيّر في آلية التسعير نفسها: قبل الحرب كان سعر الذهب في غزة أقل من السعر الدولي، أما اليوم فباتت حركته مرتبطة بدرجة أكبر بالعرض والطلب المحليين — أي أن السوق انفصل جزئياً عن مرجعه الخارجي.

ما الذي يعنيه هذا لمن لا يملك سبيكة

يقول المواطن خليل منصور إنه كان يفضّل قبل الحرب الاحتفاظ بمدخراته في البنك بالدولار، لكن سعر الصرف الذي كان نحو أربعة شواقل تراجع إلى حدود ثلاثة، فشعر أن الاحتفاظ بالسيولة لم يعد يحمي قيمة ما جمعه، فاشترى ذهباً «لا سعياً إلى ربح سريع بل تفادياً لخسارة جديدة».

وهذه هي المسافة بين قراءة السوق وقراءة الأسرة: مؤشر الأسعار قد يتراجع شهراً — كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء عن تموز بنسبة 1.68% — بينما تبقى قيمة ما ادّخرته الأسرة رهينة سعر صرف تتقلّب حدوده يومياً.

ومن يملك سيولة يشتري ذهباً فيحمي جزءاً من قيمتها، ومن لا يملك يبقى داخل الاقتصاد النقدي نفسه بأوراقه المهترئة وفروق تسعيره. التحوّل إذن ليس مؤشر تعافٍ في السوق، بل مؤشر انعدام ثقة يجد كل صاحب مدخرات مخرجه منه بحسب حجمها.