سجائر وأدوية وهواتف.. تحقيق يرصد اتساع اقتصاد التهريب إلى غزة

القيود على الباب الرسمي هي ما يفتح الباب الموازي، والفارق كله يظهر في السعر الذي يدفعه المشتري داخل القطاع.

سجائر وأدوية وهواتف.. تحقيق يرصد اتساع اقتصاد التهريب إلى غزة

كشفت وكالة أسوشيتد برس في تحقيق موسّع نشرته يوم الخميس اتساع شبكة تهريب البضائع إلى قطاع غزة — من السجائر إلى الأدوية والهواتف — في ظل القيود الإسرائيلية المشدّدة على دخول السلع، واصفةً هذه التجارة غير القانونية بأنها صارت «جزءاً مهماً» من حركة البضائع إلى القطاع.

ويشير التحقيق إلى تورّط جنود إسرائيليين وتجّار في هذه العمليات، أي أن الطريق الموازي لا يمرّ من حول القيود بل من داخل النقاط التي تُطبَّق عندها، وهو ما يفرّق بين تهريب يلتفّ على رقابة وتهريب يقوم بالتواطؤ معها.

السوق الموازي ابن الباب المغلق

السوق الموازي لا ينشأ من فراغ، إذ يظهر كلما استقرّ الفارق بين ما يحتاجه السكان وما يُسمح بدخوله عند مستوى ثابت لأسابيع. وحين يصير الطلب مضموناً والعرض الرسمي متقطّعاً، يتحوّل العبور نفسه إلى سلعة تُباع.

ويكفي لقياس ذلك الفارق أن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قال هذا الشهر إن الداخل من شاحنات المساعدات لا يتجاوز 36%، بينما أعلنت الهيئة العامة للبترول أمس أن القطاع لم يستقبل أي كمية من غاز الطهي خلال اليوم بسبب إغلاق المعبر.

من يدفع الثمن في النهاية

كلفة التهريب لا يتحمّلها المهرِّب، لأنها تُضاف إلى السعر النهائي الذي تدفعه الأسرة في دكان الحيّ، وكلما طالت السلسلة وتعدّدت حلقاتها ارتفع ما يُدفع مقابل السلعة نفسها دون أن تتحسّن جودتها أو انتظام توفّرها.

وهذا النمط مقيس في غزة بأكثر من ملف، فقد خلص المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في ورقة سياسات إلى أن أكثر من 90% من فجوة أسعار الوقود بين القطاع وأسواق الاستيراد تتكوّن عند حلقة وساطة واحدة، لا عند نقطة البيع الأخيرة.

لماذا يهمّ الدواء أكثر من السجائر

دخول السجائر بطريق غير رسمي مسألة أسعار، أما دخول الدواء بالطريق نفسه فمسألة سلامة، لأن الصنف الدوائي يحتاج سلسلة تبريد وتوثيق مصدر وتاريخ صلاحية يمكن التحقّق منه، وكلها ضمانات لا يوفّرها مسار يقوم أصلاً على التخفّي.

ومن هنا فإن اتساع هذا الاقتصاد ليس مؤشّراً على انفراج في الإدخال، بل على العكس منه: كلما ضاق المسار المنظَّم اتّسع المسار الذي لا يخضع لرقابة أحد، ودفع المريض ثمنه مرّتين، مرّة في السعر ومرّة في غياب الضمانة.